فخر الدين الرازي

17

المطالب العالية من العلم الإلهي

الأول من الزمان ، علة للجزء الثاني منه ، لزم حصولهما معا . فحينئذ لا يكون الزمان زمانا . هذا خلف . وبهذا الدليل أيضا ثبت أنه لا يجوز أن يكون تقدم بعض أجزاء الزمان على البعض بالذات أو بالشرف أو بالمكان . بقي أن يكون بالزمان . فنقول [ هذا « 1 » ] أيضا محال . لأن التقدم بالزمان عبارة عن كون المتقدم حاصلا في زمان ما كان المتأخر حاصلا فيه ، ثم حصل زمان آخر يحصل فيه ذلك المتأخر ، فلو كان بعض أجزاء الزمان متقدما على البعض بالزمان ، لزم أن يكون كل جزء من أجزاء الزمان حاصلا في زمان آخر ، بحيث يكون أحدهما ظرفا للآخر ووعاء له . ثم الكلام في أجزاء ذلك الوعاء كالكلام في الأول ، فيلزم أن يكون كل زمان حاصلا في زمان آخر إلى غير النهاية ، وتكون كلها موجودة معا دفعة واحدة وذلك أيضا باطل لوجهتين : الأول : إنه يلزم أن لا تكون هذه الساعة الحاضرة ساعة واحدة ، بل ساعات غير متناهية ، وذلك مدفوع في بديهة العقل . والثاني : إن مجموع الأمسيات « 2 » الغير المتناهية ، متقدم على مجموع الأيام الحاضرة ، وتقدم ذلك المجموع على هذا المجموع بالزمان والظرف مغاير للمظروف ، فذلك الذي هو ظرف المجموع ووعاؤه ، لا بد وأن يكون خارجا عن ذلك المجموع ، لوجب كون الظرف والوعاء مغاير للمظروف ، ويجب أن لا يكون خارجا عنه ، لوجوب أن يكون الفرد من أفراد الشيء داخلا في مجموعه ، فهذا يقتضي أن يكون الشيء الواحد بالنسبة إلى المجموع الواحد ، داخلا فيه وخارجا عنه ، وذلك محال . فيثبت بهذا البرهان : أن تقدم بعض أجزاء الزمان على البعض قسم سادس مغاير للأقسام الخمسة ، وإذا عقل ذلك فليعقل مثله في تقدم عدم الحادث على وجوده . الحجة الخامسة في تقرير هذا المطلوب : أن نقول : صريح العقل

--> ( 1 ) من ( ط ) ( 2 ) الامتياز ( ت )